محمود أبو رية

126

أضواء على السنة المحمدية

ومنهم من يضع لنصرة مذهبه ، ومنهم من يضع حسبة وترغيبا ، ومنهم من أجاز وضع الأسانيد بكلام حسن ، ومنهم من قصد التقرب إلى السلطان ، ومنهم القصاص يروون أحاديث ترقق وتنفق ( 1 ) ا ه‍ . ولأن الكلام قد طال في هذا الأمر فإنا نكتفي بما أوردناه . أما وضاع الحديث فكانوا كثيرين لا يحصيهم العدد وقد قالوا إن أشهرهم أربعة : ابن أبي يحيى في المدينة ، والواقدي في بغداد ، ومقاتل بن سليمان بخراسان ، ومحمد ابن سعيد بالشام ( 2 ) . وإليك مثلا واحدا من أمثلة الوضع للتقرب من الملوك والأمراء : كان الرشيد يعجبه الحمام واللهو به ، فأهدى إليه حمام وعنده أبو البختري القاضي ( 3 ) فقال : روى أبو هريرة عن النبي أنه قال : لا سبق إلا في خف أو حافر أو جناح - فزاد جناح ، وهي لفظة وضعها للرشيد ، فأعطاه جائزة سنية . ولما خرج قال الرشيد والله لقد علمت أنه كذاب - وأمر بالحمام أن يذبح ، فقيل : وما ذنب الحمام ؟ قال : من أجله كذب على رسول الله ! الوضع السياسي أو الوضع للسياسة ولا بد لنا قبل أن نختم هذا الفصل أن نكشف عن ناحية خطيرة من نواحي الوضع في الحديث كان لها أثر بعيد في الحياة الإسلامية ، ولا يزال هذا الأثر يعمل عمله في الأفكار العفنة والعقول المتخلفة والنفوس المتعصبة ، ذلك أن السياسة قد دخلت في هذا الأمر وأثرت فيه تأثيرا بالغا فسخرته ليؤيدها في حكمها ، وجعلته من أقوى الدعائم لإقامة بنائها . . وقد علا موج هذا الوضع السياسي وطغى ماؤه في عهد معاوية الذي أعان عليه وساعده بنفوذه وماله ، فلم يقف وضاع الحديث عند بيان فضله والإشادة بذكره

--> ( 1 ) ص 409 ج‍ 2 كشف الخفاء . ( 2 ) ص 113 ج‍ 2 ابن خلكان . ( 3 ) كان أبو البختري قاضي مدينة النبي بعد بكار بن عبد الله ، ثم ولي قضاء بغداد بعد أبي يوسف صاحب أبي حنيفة ، توفي سنة 200 ه‍ في خلافة المأمون . ص 69 ج‍ 1 تفسير القرطبي .